سيد محمد طنطاوي

269

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الإمام الرازي : اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها من وجهين : الأول : أنه - تعالى - حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث ، حتى انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ، وكان ذلك يشق على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فذكر - سبحانه - قصة موسى - عليه السلام - ، وبين أنه تحمل المشقة في دعوة فرعون ، ليكون ذلك تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم . الثاني : أن فرعون كان أقوى من كفار قريش . . . فلما تمرد على موسى ، أخذه اللَّه - تعالى - نكال الآخرة والأولى ، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك ، إن أصروا ، أخذهم اللَّه وجعلهم نكالا . . . « 1 » . والمقصود من الاستفهام في قوله - تعالى - : * ( هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى . . . ) * التشويق إلى الخبر ، وجعل السامع في أشد حالات الترقب لما سيلقى إليه ، حتى يكون أكثر وعيا لما سيسمعه . والخطاب للرسول صلى اللَّه عليه وسلم لقصد تسليته ، ويندرج فيه كل من يصلح له . والمعنى : هل وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - خبر موسى - عليه السلام - مع فرعون ؟ إن كان لم يصل إليك فهاك جانبا من خبره نقصه عليك ، فتنبه له ، لتزداد ثباتا على ثباتك ، وثقة في نصر اللَّه - تعالى - لك على ثقتك . والظرف « إذ » في قوله - تعالى - : * ( إِذْ ناداه رَبُّه بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ) * متعلق بلفظ « حديث » ، والجملة بدل اشتمال مما قبلها . و « الواد » المكان المنخفض بين جبلين ، أو بين مكانين مرتفعين . و « المقدس » : بمعنى المطهر . و « طوى » اسم للوادي . وقد جاء الحديث عنه في آيات متعددة ، منها قوله - تعالى - : فَلَمَّا أَتاها - أي النار - نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 321 . ( 2 ) سورة طه الآيتان 11 - 12 .